عبد الله محمود شحاتة

854

تفسير القرآن الكريم

عليهم كما هيمن على من قبلهم ، فإذا هم قصروا ؛ أخذهم بالعقاب الذي رتبه على ترك أحكام دينه في الدنيا والآخرة ، والمؤمنون باللّه حقا بعد أن سمعوا الوعد والوعيد المتقدمين لا بد أن يأخذوا بهذه الأحكام على الوجه الموصل إلى إصلاح الأنفس ، وذلك هو الأثر المطلوب منها ، ولن يكون ذلك إلا إذا أخذت بصورها ومعانيها ، لا بأخذها بصورها الظاهرة فحسب . وقد اكتفى بعض الأمم من الدين ببعض رسومه الظاهرة فقط كبعض اليهود الذين كانوا يكتفون ببعض القرابين وأحكام الدين الظاهرة ، وهذا لا يكفى في اتباع الدين والقيام به على الوجه المصلح للنفوس كما أراده اللّه . فأرشدنا سبحانه إلى أن عمل الرسوم الظاهرة في الدين كالغسل ، والتيمم لا يغنى عنهم شيئا إذا لم يطهروا القلوب ؛ حتى ينالوا مرضاته ويكونوا أهلا لكرامته ، ولا يكون حالهم كحال بعض من سبقهم من الأمم . 44 - أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ . ألم ينته إلى علمك حال هؤلاء الأحبار من اليهود الذين أعطوا حظا ومقدارا من علم التوراة ؟ ! إن كنت لم تعلم أحوالهم أو لم تنظر إليهم فهاك خبرهم وتلك هي حقيقتهم ، إنهم يشترون الضلالة وهي البقاء على اليهودية ، بعد وضوح الآيات لهم الدالة على صحة دين الإسلام ، وهم لا يكتفون بتلبسهم بالضلال الذي أشربته نفوسهم ، بل يريدون منكم يا معشر المسلمين أن تتركوا دين الإسلام الذي هو السبيل الحق ، وأن تتبعوهم في ضلالهم وكفرهم . 45 - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً . اللّه أعلم بأعدائكم أيها المؤمنون ، وقد أخبركم بأحوالهم وبما يبيتون لكم من شرور ؛ فاحذروهم ، ولا تلتفوا إلى أقوالهم ، وأعدوا العدة لتأديبهم ؛ دفاعا عن دينكم وعقيدتكم ، وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا يتولى أموركم ويصلح بالكم وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً يدفع عنكم مكرهم ، وشرهم فلا تطلبوا ولاية غير ولايته وتكفيكم نصرته ؛ فلا تستعينوا بسواه . وعليكم باتباع السنن التي وضعها اللّه في هذه الحياة ، ومنها عدم الاستعانة بالأعداء الذين لا يعملون إلا لمصلحتهم الخاصة . 46 - مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ . من اليهود فريق يميلون الكلام عن معناه ، ويفسرونه بغير مراد اللّه تعالى كذبا منهم وافتراء وتضليلا وإنهم كانوا يقولون للنبي صلى اللّه عليه وسلم : سمعنا وعصينا . أي : سمعنا قولك ، وعصينا أمرك وروى عن مجاهد أنهم قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : ( سمعنا قولك ولكن لا نطيعك ) . وكذلك كانوا يقولون له : اسمع غير مسمع .